عبد الفتاح عبد المقصود

104

في نور محمد فاطمه الزهراء

طير أبابيل في السنين العجاف « 1 » يعصرهم القحط ، فلا حرث ولا ضرع ، كان القوم يهرعون إليه لعلّه أن يردّ عنهم غوائل « 2 » الجدب والجفاف ، فماذا ترى كان يفعل ليجنّبهم بوائق البوار ؟ لم يكن يخرج ليمتار لهم من إنسان ، ولا ليستعين جيرة بلدته على ما هي فيه من بلاء ، ولا ليضرب في الأرض طلباً لرزق معلوم أو غير معلوم ، هنا وهناك ، لأنّ الجوع منهوم « 3 » لا ينتظر أوبة « 4 » السفّار . كان يرتقي في جبل « ثبير » « 5 » حيث ارتقى إبراهيم ، وتلّ - تصديقاً لأمر ربّه - فتاه : جدّهم إسماعيل للجَبين « 6 » ، وكان يرفع عينيه وكفّيه داعياً ، يسأل ربّه أن ينحي عنهم الغمام الجَهام « 7 » ، ويرسل السحاب الغدق الهتون « 8 » . كان يستمطر السماء . وعندما ولد محمد بن عبداللَّه ، كان الشيخ يحرص على تقديمه بين يدي نجواه ، إيماناً منه بمقامه عند اللَّه ، فلا يكاد ينخرط في ابتهاله حتّى يثيبه ربّه مبتغاه « يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ » « 9 » .

--> ( 1 ) . السنين العجاف : أي سنوات القحط وانقطاع المطر . ( 2 ) . الغوائل : الدواهي . ( 3 ) . المنهوم : ذو النهم ، المولع بالشيء . ( 4 ) . الأوبة : العودة ، والسفّار : جمع مسافر . ( 5 ) . ثَبِير : جبل معروف عند مكة ، بل من أعظمها ، بينها وبين عرفة . وقد روي أنّه أحد قطع الجبل الذيتشظّى بعدما تجلّى اللَّه سبحانه له يوم موسى عليه السلام . ( 6 ) . إشارة إلى الآيات الكريمات : 102 - 107 من سورة الصافات المباركة ، التي تحكي قصة رؤياإبراهيم عليه السلام وذبح ابنه إسماعيل عليه السلام . ( 7 ) . الغمام الجَهام : السحاب الذي لا ماء فيه . ( 8 ) . السحاب الهتون : المثقل بالماء ، المتتابع القطر . ( 9 ) . النور : 43 .